السفير حلمي لـ " مصر الآن " :يكشف عصر التحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم
قال السفير عمرو حلمي مساعد وزير الخارجية السابق في تصريح ل " مصر الآن "إنه لم يعد ممكناً النظر إلى التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي باعتبارها مجرد أزمة عابرة أو اضطراب مرحلي يمكن تجاوزه بالعودة إلى التوازنات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة والأحادية القطبية. فالعالم يشهد اليوم تحولاً عميقاً يعيد صياغة أسس النظام الاقتصادي والاستراتيجي الدولي، في ظل تراجع مسلمات العولمة التقليدية، وتصاعد التداخل بين اعتبارات الأمن القومي والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتمويل بصورة غير مسبوقة. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في ترميم النظام القديم، بل في بناء تصور جديد يتلاءم مع التحولات البنيوية الجارية وإعادة تشكل موازين القوى العالمية.
وأضاف حلمي أنه لقد كشفت السنوات الأخيرة حدود نموذج “الاعتماد المتبادل” الذي ساد لعقود طويلة باعتباره ضمانة للاستقرار العالمي. فالقوى الكبرى اكتشفت أن التشابك الاقتصادي قد يتحول، في لحظات التوتر، إلى مصدر هشاشة استراتيجية. فالولايات المتحدة أدركت خطورة اعتمادها الواسع على الصين في المعادن النادرة وسلاسل التوريد الحيوية، بينما واجهت بكين قيوداً متزايدة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات. أما أوروبا، فقد دفعت ثمناً باهظاً لاعتمادها المفرط على الغاز الروسي، في حين كشفت أزمات الممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، حجم المخاطر المرتبطة بتركز التجارة والطاقة في نقاط اختناق استراتيجية محدودة.
وقال في قلب هذه التحولات، برز صعود الصين باعتباره أحد أهم المتغيرات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. فالصين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، بل تحولت إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية تنافس الولايات المتحدة بصورة متزايدة، مستفيدة من قدراتها الصناعية والمالية الهائلة، ومن توسع نفوذها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، إلى جانب تقدمها السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والاتصالات. هذا الصعود لم يغير فقط توازنات الاقتصاد العالمي، بل دفع العالم إلى مرحلة جديدة من المنافسة الدولية المكثفة.
وأوضح أنه ومن هنا، برز مفهوم “الصمود الاستراتيجي” Strategic Resilience باعتباره العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة. فلم تعد الأولوية القصوى تحقيق أعلى معدلات الربح الاقتصادي، بل بناء اقتصادات قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والتعامل مع الاضطرابات المفاجئة. ولهذا تتجه الدول الكبرى إلى تنويع مصادر الإمداد، وإعادة توطين الصناعات الحساسة، وتقليص الاعتماد على الخصوم في القطاعات الحيوية.
وفي موازاة ذلك، تحول الاقتصاد العالمي إلى ساحة للصراع الجيوسياسي المكثف. فالقوى الكبرى باتت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات الضغط الاقتصادي، مثل العقوبات والقيود التجارية والتحكم في التكنولوجيا والأسواق المالية. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذه الأدوات على نطاق واسع، فيما استخدمت روسيا الطاقة كسلاح جيوسياسي، بينما تدرك إيران أهمية موقعها الجغرافي وتحكمها النسبي في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وقال كما تشهد خريطة الطاقة العالمية تحولات هيكلية عميقة تتجاوز مجرد البحث عن بدائل للبترول والغاز. فالتوسع في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب عودة الاهتمام بالطاقة النووية، أصبح جزءاً من معادلات الأمن القومي والتنافس الاقتصادي العالمي. ونتيجة لذلك، باتت المنافسة على المعادن النادرة وتكنولوجيا البطاريات وشبكات الكهرباء جزءاً أساسياً من الصراع الجيوسياسي العالمي.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، باعتبارها المحرك الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. فالتفوق التكنولوجي لم يعد مسألة اقتصادية فقط، بل تحول إلى عنصر حاسم في ميزان القوة الاستراتيجية والعسكرية، خاصة مع اتساع نطاق التقنيات “ثنائية الاستخدام”، بما يجعل الأمن القومي متداخلاً بصورة كاملة مع السياسات الصناعية والتكنولوجية.
وقال هذا التحول أسقط أيضاً كثيراً من الافتراضات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالإيمان المطلق بقدرة الأسواق على تنظيم نفسها يتراجع بصورة واضحة، كما عاد دور الدولة بقوة إلى مركز المشهد الاقتصادي، سواء عبر الدعم الصناعي أو حماية القطاعات الاستراتيجية أو التحكم في الاستثمارات.
ورغم أن المؤسسات الاقتصادية الدولية ما تزال قائمة، فإن مكانتها لم تعد كما كانت، في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وتزايد الشكوك بشأن قدرة النظام الاقتصادي الدولي على الحفاظ على استقراره السابق. كما تتزايد التوقعات بتراجع الوزن النسبي للدولار الأمريكي تدريجياً، مع سعي عدد متزايد من الدول إلى تنويع احتياطاتها النقدية واستخدام عملات بديلة في التجارة الدولية.
ورغم ذلك، ستظل الولايات المتحدة قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية رئيسية خلال المستقبل المنظور، مستندة إلى ضخامة اقتصادها، وهيمنة الدولار، وعمق أسواقها المالية، وتفوقها الابتكاري. غير أن الحفاظ على هذه المكانة سيعتمد على قدرتها على التكيف مع عالم أكثر تعقيداً وتنافساً، تتعدد فيه مراكز القوة وتتغير فيه طبيعة النفوذ ذاته. ومن ثم، فإن العالم يقف بالفعل على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، بتوازنات مختلفة وتكنولوجيات قد تتجاوز في قدراتها حدود العقول البشرية، بما يحمله ذلك من فرص هائلة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وفي الوقت ذاته من تحديات غير مسبوقة أمام الدول والمجتمعات في مجالات الأمن والاستقرار والتنمية ومستقبل الإنسان نفسه ٠






